دار النقاش مرة أخرى .. فرأيت إعادة النشر ولو أن القصة مضى وقتها
إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْإِنْسَانُ فِي نَظَرِهِ إِلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ، أَنْ يَجْعَلَ عَاطِفَتَهُ مِيزَانًا لِلْحُكْمِ، فَيُغَلِّبَ جَانِبَ الشَّفَقَةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ أَوِ الْإِعْجَابِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ مِنْ أَحْكَامٍ ثَابِتَةٍ. وَالْحَقُّ أَنَّ شُؤُونَ الْآخِرَةِ لَيْسَتْ مَوْكُولَةً إِلَى أَهْوَاءِ الْبَشَرِ وَلَا إِلَى مَشَاعِرِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحْكُومَةٌ بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، يَقُومُ عَلَى الْعَدْلِ التَّامِّ وَالَّذِي لَا يَتَنَافَى مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُهُمْ .
فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَدَّدَ شُرُوطَ قَبُولِ الْعَمَلِ وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ، وَأَنَّ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُبْنَى عَلَى مَا تَهْوَاهُ النُّفُوسُ بَلْ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الركُونَ إِلَى الْعَاطِفَةِ فِي مَسَائِلِ الْمَغْفِرَةِ وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي مُخَالَفَةِ الْوَحْيِ، وَغَضَبِ الرَّبِّ، ظَانًّا أَنَّهُ بِهذا يَرْحَمُ، محْتجاً بأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، بَيْنَمَا هُوَ يَتَعَدَّى عَلَى حُدُودِ اللَّهِ. لِأَنَّ اللَّهَ عِنْدَمَا قَالَ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قَالَ عَقِبَهَا مُبَاشَرَةً {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الْأَعْرَاف:156]. فَهَذَا الْمِيزَانُ الْإِلَهِيُّ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ عَيْنُ رَحْمَتِهِ، إِذْ أَنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحَانَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، فَيُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ بِمَا يُوَافِقُ عَمَله، بَعْدَ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ إِرَادَةً . قَالَ تَعَالَى {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} فَلَا يُظْلَمُ أَحَدٌ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَالْمُتَأَمِّلُ فِي عَقِيدَةِ النَّصَارَى يَجِدُ فِيهَا مَا يُغْضِبُ اللَّهَ وَيُؤْذِيهِ وَأَنَّ مَا يُقَدِّمُهُ أَحَدُهُمْ مِنْ خَيْرٍ يَسْتَحْسِنُهُ النَّاسُ لَا يُسَاوِي شَيْئًا أَمَامَ هَذَا التَّنَقُّصِ فِي حَقِّ اللَّهِ.
فَمِمَّا يُغْضِبُ اللَّهَ فِي عَقِيدَةِ النَّصَارَى:
- الشِّرْكُ (أَوِ التَّثْلِيثُ وَتَأْلِيهُ الْمَسِيحِ).
قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: 73] وَهَذَا شِرْكٌ صَرِيحٌ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَيُغْضِبُ اللَّهَ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُسَاوِي بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَقَدْ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ عَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا.
- نِسْبَةُ الْوَلَدِ لِلَّهِ (وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِيذَاءِ).
قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مَرْيَم] .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا!). فَنِسْبَةُ الْوَلَدِ إِلَى اللَّهِ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّهُ تَنَقُّصٌ لِكَمَالِهِ وَغِنَاهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، فَتَرَاهُمْ يُهَنِّئُونَ النَّصَارَى بِعِيدِ مِيلَادِ الْمَسِيحِ الَّذِي يَعْتَقِدُ النَّصَارَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ .
- تَأْلِيهُ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ قَالُوا إِنَّ عِيسَى إِلَهٌ، وَبَعْضُ طَوَائِفِهِمْ غَلَتْ حَتَّى عَبَدُوا مَرْيَمَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيوبِ﴾ [الْمَائِدَة: 116]
- نِسْبَةُ الظُّلْمِ إِلَى اللَّهِ فِي عَقِيدَةِ الْفِدَاءِ. يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَضِيَ أَنْ يُصْلَبَ ابْنُهُ - بِزَعْمِهِمْ - لِيَفْتَدِيَ الْبَشَرَ.
فَالْقَوْلُ بِالْفِدَاءِ وَالْخَلَاصِ بِصَلْبِ الْمَسِيحِ يَتَضَمَّنُ أَعْظَمَ الطَّعْنِ فِي عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، إِذْ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ لِلْبَشَرِ إِلَّا بِقَتْلِ بَرِيءٍ مَظْلُومٍ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ.
- تَحْرِيفُ كُتُبِهِ وَرِسَالَاتِهِ.
نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَغَيَّرُوا كُتُبَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 79]
- دَعْوَى الْمَحَبَّةِ الْخَاصَّةِ مَعَ تَرْكِ الطَّاعَةِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
وَهَذَا فِيهِ سُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ النَّسَبِ أَوِ الِانْتِسَابِ اللَّفْظِيِّ يُغْنِيهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ.
هَذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ مِمَّا عِنْدَ النَّصَارَى مِنْ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ تُغْضِبُ الرَّحْمَنَ، وَقَلَّمَا تَجِدُ نَصْرَانِيًّا إِلَّا وَيَقَعُ فِي هَذَا وَفِيمَا هُوَ أَشْنَعُ مِنْهُ، وَمَهْمَا عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ فِي نَظَرِ النَّاسِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَشْفَعُ لَهُ وَلَا تُحَسِّنُ صُورَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالنَّاظِرُ فِي السِّيرَةِ، يَجِدُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ ، قَدْ قَدَّمَ لِلْإِسْلَامِ وَلِنَبِيِّ الْإِسْلَامِ ﷺ مَا لَمْ يُقَدِّمْهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ جَهَلَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَرَغْمَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِ وأَشْباهه إِذْ تَبَيَّنَ كُفْرُهُمْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوْبَة: 113].
فَبَعْدَ وَفَاةِ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَعِيشُ فِي كَنَفِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ مِنْ عُمُرِهِ، حَضَرَتْ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ الْوَفَاةُ، فَأَوْصَى ابْنَهُ أَبَا طَالِبٍ بِحِفْظِهِ وَحِيَاطَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَصَانَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَحَمَاهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيفًا مُطَاعًا فِيهِمْ نَبِيلًا بَيْنَهُمْ، لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى مُفَاجَأَتِهِ بِشَيْءٍ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لَهُ، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِهِمْ".
وَقَدْ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، فَقَالَ: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ (لَوْلَا أَنَا) أَيْ لَوْلَا شَفَاعَتِي لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّ عَمَلَهُ وَمَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَنْفَعْهُ فَقَدْ كَانَ يَحمي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُدَافِعُ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ مِنَ الْمَمَادِحِ الَّتِي لَا تُدَانَى وَلَا تُسَامَى، وَأَظْهَرَ لَهُ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ فِي أَشْعَارِهِ مَا لَا يُجَارَى، وَعَابَ مَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ، فَلَمْ تَنْفَعْهُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ قَلْبُهُ.
فهَذا هُو القَانون وهَذا هُو العَدْل الإلهِي، ففِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". أي لمْ يُسْلم، فَالْكَافِرُ يُثَابُ عَلَى أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ خَالِدًا فِيهَا، وَتِلْكَ الْأَعْمَالُ تَكُونُ هَبَاءً، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 23].
فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الثَّوَابُ الدُّنْيَوِيُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلْأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: 15-16]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ).
وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا اسْتَأْذَنَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمِّهِ - وَقَدْ مَاتَتْ عَلَى الشِّرْكِ رَغْمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَعُدُّهَا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ - لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، مَعَ شِدَّةِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي). فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ تَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى أَمْ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ.
وكتبه
أبو مالك السعدي